عثمان بن جني ( ابن جني )

443

الخصائص

أصحابنا : اعلم أن حكم الجزء المستفاد من الجملة أن يكون منكورا ، والمفاد هو الفعل لا الفاعل . ولذلك لو أخبر بما لا شكّ فيه لعجب منه وهزئ ( من قوله ) . فلمّا كان كذلك لم يجز تعريف ما وضعه على التنكير ؛ ألا تراه يجرى وصفا على النكرة ( وذلك ) نحو مررت برجل يقرأ ، فهذا كقولك : قارئ ، ولو كان معرفة لاستحال جريه وصفا على النكرة . ومن ذلك امتناعهم من إلحاق " من " بأفعل إذا عرّفته باللام ؛ نحو الأحسن منه ، والأطول منه . وذلك أنّ ( من ) - لعمري - تكسب ما يتصل به : من أفعل هذا تخصيصا ما ؛ ألا تراك لو قلت : دخلت البصرة فرأيت أفضل من ابن سيرين لم يسبق الوهم إلا إلى الحسن رضى اللّه عنه ( فبمن ما صحّت لك ) هذه الفائدة ، وإذا قلت : الأحسن أو الأفضل أو نحو ذلك فقد استوعبت اللام من التعريف أكثر مما تفيده ( من ) من حصّتها من التخصيص ، فكرهوا أن يتراجعوا بعد ما حكموا به من قوّة التعريف إلى الاعتراف بضعفه ، إذا هم أتبعوه من الدالة على حاجته إليها ، وإلى قدر ما تفيده : من التخصيص المفاد منه . فأمّا ما ظنّ أبو عثمان الجاحظ من أنه يدخل على قول أصحابنا ( في هذا من قول الشاعر ) : فلست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزّة للكاثر " 1 " فساقط عنهم . وذلك أن ( من ) هذه ليست هي التي تصحب ( أفعل ) هذا لتخصيصه ، فيكون ما رامه أبو عثمان من جمعها مع لام التعريف . وذلك لأنها إنما هي حال من تاء ( لست ) ؛ كقولك : لست فيهم بالكثير مالا ، وما أنت منهم بالحسن وجها ، أي لست من بينهم وفي جملتهم بهذه الصفة ؛ كقولك : أنت واللّه

--> ( 1 ) البيت من السريع ، وهو للأعشى في ديوانه ص 193 ، والاشتقاق ص 65 ، وأوضح المسالك 3 / 295 ، وخزانة الأدب 1 / 185 ، 3 / 400 ، 8 / 250 ، 254 ، وشرح التصريح 2 / 104 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 351 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 902 ، وشرح المفصل 6 / 100 ، 103 ، ولسان العرب ( كثر ) ، ( سدف ) ، ( حصى ) ، ومغنى اللبيب 2 / 572 ، والمقاصد النحوية 4 / 38 ، ونوادر أبى زيد ص 25 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 422 ، وخزانة الأدب 2 / 11 ، وشرح الأشمونى 2 / 386 ، وشرح ابن عقيل ص 465 ، وشرح المفصل 3 / 6 .